الدوحـة تلعب بتميمة الإخوان وتحول أزمة مقاطعتها لـ«معركة دينية»
الدوحـة تلعب بتميمة الإخوان وتحول أزمة مقاطعتها لـ«معركة دينية»

 

- أبواق الإخوان بقيادة أردوغان تسحب الخلاف السياسي المصري الخليجي مع الدوحة إلى أرضية "دغدغة المشاعر والشعارات الشعبية"

- قلب الحقائق علــــــــى الطريقة الإخوانية الشهيرة جعل مـــــــن مقاطعة الدوحة حصارًا وحملة تجويع لشعبها "لا يرضها الإسلام"!؟

 

لا تمل تيارات الإسلام السياسي والجماعات ذات التوجهات العنيفة أو المسلحة، فضلًا عن مريديهم ومجاذيبهم، مـــــــن تحويل مختلف القضايا ذات الأبعاد الأمنية أو الاقتصادية إلى مــــعركة دينية.

 

الإخوان وأبواقهم، هرعوا لنجدة أربابهم القطريين بسلاح الإعلام الموجه، ودومًا عبر وســـــائــــل التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا.

 

علــــــــى نهج الدوحة والباشا العثماني الجديد رجب طيب أردوغان، سموا المقاطعة الخليجية المصـــــريــــــــة لقطر "حصارًا"، بينما ركزت دعايتهم، علــــــــى أن المملكة العربية السعودية، وحلفائها الخليجيين، علــــــــى وجه التحديد، يمنعون الطعام عن صائمين، وأن الرياض بإغلاقها الحدود مع الإمارة الصغيرة، وما استتبعه ذلك مـــــــن وقف توريد السلع الغذائية والأساسية التي تتحصل عليها النهائيــة مـــــــن أرض الحرمين الشــــــــريفيــــــــن، قد فقدت ثقلها الروحي كمهد لعقيدة محمد (ص) وأرض الكعبة ورمز العالم الإسلامي الأكبر.

 

لعبة إخوانية تقليدية مجربة مـــــــن جانبهم مرارًا، وتجسدت علــــــــى نحو فادح إبان أحداث 30 يونيــــــــــــو و3 يـــوليـــــو 2013، وما استتبعهما مـــــــن عزل مندوب الجماعة بقصر الاتحادية، الرئيس الأسبق محمد مرسي، فضلًا عن أهله وعشيرته وجماعته، غير مأسوف عليهم.

 

في تلك الفترة، وبالأخص في ظل اعتصامي النهضة ورابعة ومسيراتهما العنيفة السيارة، وحتى بينـمـــا بعد فضهما بالقوة مـــــــن قبل الأمن، كان الإصرار كبيرًا مـــــــن جانب الدعاية الإخوانية في الداخل والخارج، علــــــــى توصيف صراع سياسي يتعلق بشكل الدولة وهويتها ومـــــــن ثم نظام الحكم فيها، كخناقة دموية علــــــــى الدين بين العلمانيين ورجال المرشد وشركائهم مـــــــن قوى السلفيين والتيارات الجهادية والسلفية..

بديهيًا أن يفضي الزعم بأن خروج الجماهير ضدهم كحرب علــــــــى الإسلام وحاكمية الله في الأرض، إلى انفجـــــــار موجات الإرهاب الداعشية والإخوانية والقاعدية علــــــــى مدار السنوات الأربع المنصرمــة.

 

دغدغة المشاعر بالشعارات الدينية المطاطة في حلبة السياسة، والأخيرة قذرة بطبيعتها وتحتمل النسبية والتأويل والمراوغة، إنما لا يبتز فقط مشاعر عموم المصريين وغيرهم مـــــــن المسلمين المتحمسين، لكنها تُسيل لعاب الموتورين منهم مـــــــن العطشى للدماء، ومـــــــن الباحثين عن دور في الحياة ولو مـــــــن فوق جثث الأبرياء.

 

أردوغان وإخوانه يسيرون وفق الكتالوج ذاته في أزمة المقاطعة الخليجية المصـــــريــــــــة للدوحة.. الباشا منفلت الأعصاب، ومـــــــن خلفه رواد القطيع التقليديين، جنحوا لتديين المعركة، ومنحها بعدًا عقائديًا وإنسانيًا يهيج المشاعر ويزيد مـــــــن سكب الزيت علــــــــى النار، ومـــــــن ثم لا يبدو مستغربًا دفاع الرئيس التركي المستميت عن الإمارة الصغيرة، والادعاء بأنها لا ترعى الإرهاب، بل والإشادة بدورها في مكافحة داعش، قبل أن يطلق علــــــــى الأزمة عناوين مسيئة كتجويع الخليجيين للقطريين بما يخالف الإسلام والإنسانية، علــــــــى حد زعمه.

ثم ما لبث أن تبنى خطابًا دعائيًا لتبيض وجه الدوحة، بالدفع نحو ترسيخ فرضية دعمها للديمقراطية والسلام، وإنفاقها أموال بالملايين لتثبيت دعائم قوى الاعتدال في سوريا عبر مكافحة تطرف كيانات الإرهاب، وعلــــــــى رأسها داعش.

مـــــــن المتفهم أن يغدق الشريك علــــــــى شريكه في الجريمة آيات الدعاية السخية، وأن يزيد مـــــــن مساحيق التجميل فوق وجهه الملطخ بدماء أبرياء شردوا أو أصيبوا أو قضوا نحبهم بملايين إمارة الغاز الداعمة لأجندات توسعية غير عربية علــــــــى حساب شعوب المنطقة، إذ أن إدانة الدوحة بأي اتهام، إنما هي في حد ذاتها وصمة إدانة مماثلة لأنقرة..

 

القطريون وحلفاؤهم مـــــــن الإخوان، أنظمة وجماعات ومؤسسات مدنية واقتصادية، يسحبون الصراع السياسي إذن إلى أرضية الصراعات الشعبوية، وهي حيلة تجيدها الكيانات التي تستلهم قوتها ووقودها مـــــــن رأي سَـــنَــــــة مغيب، أو لا يقف علــــــــى الحقائق بصفة دائمة، وهو ما تجيده جماعة المرشد، حيث تجيش ميليشياتها الإلكترونية لبث دعايتها ووجهات نظرها ومنهاج التخوين أو الإشادة التي تريدها، بين جماهير السوشيال ميديا، وهم في الأغلب الأعم في حالة انفصال سَـــنَــــــة عن فكرة تدقيق المعلومات، ورأيهم يتم تشكيله بالانطباعات أو عبر الأخبار المدسوسة مـــــــن خلال وسائط فــــيـــســــبـــــوك وتويتر ويوتيوب المخترقة علــــــــى نحو فادح.

 

تلك واحدة، أما الثانية، فيكشف نمط الدعاية السياسية لقطر في أزمتها، أنها تصر علــــــــى السير في المعية الإخوانية، كتوجه في الحكم والسياسة والتحالفات عابرة الحدود.

 

كثيرون لا يعرفون، أن نظام الحكم في قطر قد غلب عليه ومنذ نحو عــــقد كامل التحالـــــــف مع التيار الإسلامي المناهض لأفكار الوطنية والقومية والحدود والسيادة، وهى الاســـتـــراتـيـجـيـة التي ترسخت في البلاط الأميري بزعامة الشيخ حمد بن جاسم، رئيس الوزراء ووزير الخارجية السابق، قبل أن يكون الانحياز في الأخير لمصلحة الدوحة البرجماتية، وبالطبع وفق الشروط الأمريكية ووفق آليات تقديم فروض الولاء والطاعة العمياء لواشنطن.. وهو نفس الخيار الذى سار عليه الأميــــــــر الحالي تميم.

 

قطر نفسها، كانت أرضية ممهدة للتوافق الأمريكي الإخوان. الإمارة التي تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، فضلاً عن كونها البلد الخليجي الوحيد الذى يمتلك تواصلاً رسميًا مع تل أبيب، عبر مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في الدوحة، كانت وعلــــــــى مدار عقود طويلة، سلّة تجمّع الإخوان في الخليج، عبر موجات متلاحقة مـــــــن المهاجرين مـــــــن رجال جماعة المرشد.

 

إذن، نجح الغاز القطري، علــــــــى حد تعبير الكاتب عبد العظيم حماد، في كتابه "الوحى الأمريكي"، في توفير البيئة الــقــــادرة علــــــــى تسييل الأيديولوجية الإسلامية الجامدة، لتتواكب والغرب، ناهيك عن استخدم الدوحة للأبواق الإخوانية، كيوسف القرضاوي ورفاقه، في تسييل ثوابت سياسية، ومنها الاختفاء التدريجي لمهاجمة إسرائيل والصهيونية.

 

عبد العظيم حماد ينقل أيضًا مما كتبه الدكتور غانم نسبية، في جــــــريــــــدة سياتل تايمز الأمريكية في ديـسمبـــــــــــــر 2012، أن الدوحة قررت اختيار الإخوان، كعجلة تنشر بها نفوذها السياسي في كل مكان بالعالم الإسلامي. غير أن ذلك يحدث بطبيعة الحال، بالتعاون مع امريــــكا، ولا يحقق إلا مصالحة تاريخية بين الإسلاميين والأمريكان، والصهاينة أيضًا.

 

وعلــــــــى ما يبدو، قد جاء الوقت لتستفيد الدوحة مـــــــن تلاميذها الإخوان، ممن تربوا في كنفها واستفادوا بملايينها، ومـــــــن ثم تستخدم تميمتهم الأثيرة في تديين الصرع السياسي لكسب نقاط في سلة الرأي العام، ولو بالتزييف والافتراءات والباطل.

المصدر : الموجز