مغالطات «في سياق الدراما»: هكذا رسمت السينما العربية لوحات تاريخية مشوهة
مغالطات «في سياق الدراما»: هكذا رسمت السينما العربية لوحات تاريخية مشوهة

في السينما العربية، وبعد ثورة 1952 تحديدًا، رأينا العديد مـــــــن الأعمال السينمائية التي تتناول السيرة الذاتية لبعض الشخصيات التاريخية، والتي كان لها بالغ الأثر في رسم صورة ذهنية داخلنا تجاه تلك الشخصيات، ولكن هل تلك الصورة المرسومة في أذهاننا عن صلاح الدين وابن رشد وقطز وبيبرس وشجر الدر صحيحة، أم أن هــنــــــــاك مغالطات تاريخية وقعت فيها تلك الأعمال؛ فبالغت في تمجيد البعض لأغراضٍ سياسية معاصرة حينها؟

«الناصر صلاح الدين».. قائد عظيم أم سفاح دموي؟

كان فيلم الناصر صلاح الدين للمخرج يوسف شاهين مـــــــن الأعمال التاريخية الضخمة التي رسخت الــــــــي صـــــورة صلاح الدين الأيوبي، كفارس مغوار شجاع معتدل وبعيد كل البعد عن التعصب الديني، حرر بيت المقدس مـــــــن الصليبين ورفع راية الإسلام عليه، وأحسن للضعيف وراعى ميول الشعب الدينية المختلفة، بدليل وجود فارس مسيحي معه مـــــــن بين رجاله هو عيسى العوام.

في الآونة النهائيــة ظهرت أصوات جديدة، تـخـتـلــــف في الرأي مع تلك الصورة السائدة لصلاح الدين الأيوبي، وتعتمد في ذلك علــــــــى شهادات المؤرخين القدماء الذين ساندوا صلاح الدين نفسه، وكان علــــــــى رأس تلك الأصوات المفكر المصري يوسف زيدان؛ فيقول زيدان لـ«»: «قمت بتتبع أخبار صلاح الدين الأيوبي لدى المؤرخين مـــــــن أهل السنة الذين قَامُوا بدعمة ومـــــــن بينهم المقريزي، وابن كثير، وابن شداد، وغيرهم، فما يتردد عن تحرير صلاح الدين للقدس ليس صحيحًا، فقد قام بعمل صلح، ومـــــــن حرر القدس حقًا كان المنصور قلاوون وأولاده، وما قصدته ليس الهجوم علــــــــى شخص صلاح الدين، ولكن كان موضوع https:|/www.youtube.com/watch?v=8MUKRHZ9lPA هو عن كيفية عمل استنارة بالمجتمع بداية مـــــــن مناهج التعليم، فكيف نترك البيروني وابن سينا وابن النفيس هؤلاء الذين ساهموا في العلوم الإنسانية، ونحتفي بالسفاحين والقتلة».
وعن تاريخ صلاح الدين الأيوبي تنقسم الروايات إلى جزئين «قبل النصر في موقعة حطين وبعده»؛ فيقول شمس الدين بن عثمان الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» إن صلاح الدين كان قد ولي وزارة مصر تحت إشراف الخليفة العاضد، وكان له مـــــــن الصلاحيات والقوة ما كان للخليفة، ولما مات الخليفة استأثر صلاح الدين بــمصــــر واستقل بها عن دولة الخلافة. توسع صلاح الدين في مُلكه؛ فنازل حلب ومـــــــن بعدها الموصل – أي حاربها – وضمها إليه.

وعن استئثار صلاح الدين بــمصــــر وما فعله في أشراف البيت الفاطمي يـــــقول المقريزي في كتابه الخطط والمواعظ: «ولما مات العاضد لدين الله، احتاط الطواشى قراقوش – وزير صلاح الدين – علــــــــى أهل العاضد وأولاده، فكانت عدة الأشراف في القصور مئة وثلاثين، والأطفال خمسة وسبعين، وجعلهم فى مكان أفراد لهم خارج القصر، وجمع عمومته وعشيرته فى إيوان بالقصر واحتزر عليهم، وفرق بين الرجال والنساء لئلا يتناسلوا، وليكون ذلك أسرع لانقراضهم».

كل هذا كان قبل موقعة حطين وانتصار صلاح الدين في بيت المقدس علــــــــى الصليبيين، أما عن الفترة التي تلت فتح بيت المقدس فيحدثنا عنها حسن الأمين في كتابه «صلاح الدين بين العباسيين والفاطميين والصليبيين» والذي يعرض فيه وجهة نظر مغايرة عن الأساطير التي حيكت بعد فتح القدس، حيث يـــــقول إنه وفي شوال مـــــــن نفس العام أي بعد فتح القدس بثلاثة أشهر، أرسل الخليفة الناصر العباسي إلى صلاح الدين الأيوبي رسالة شديدة اللهجة يصفها العماد الأصفهاني في كتابه «الفتح القسي في الفتح القدسي» بأنها كانت تحتوي علــــــــى أحداث ثقلت وأحاديث نُقلت ووشايات أثرت، ويعلق عليها حسن الأمين قائلًا: «إذا كانت نتيجة مــــعركة حطين هي فتح القدس، فإننا إن استثنينا الميزة القدسية لمدينة القدس، فهي مدينة ككل المدن الفلسطـيـنـيـــــــة، لا يعدو فتحها فتح أية مدينة مـــــــن تلك المدن، فإذا كانت القدس قد فُتحت فإن القسم الجم مـــــــن فلسطين وغير فلسطين كان لا يزال مُحتلًا، والوقوف عند فتح القدس وما نال فتحها مـــــــن ابتهاج المسلمين وسرورهم وتمجيد الفاتحين، إن الوقوف عند هذا كان معناه التغاضي عما لا يزال مُحتلًا مـــــــن البلاد، وعن وجود الصليبيين سادة لتلك البلاد».

وعن هذا كانت رسالة الخليفة الناصر العباسي الذي كان قد تخلص لتوه مـــــــن إِسْتِحْــواذ السلاجقة، وبنى جيشًا كبيرًا استطاع به أن يستعيد الكثير مـــــــن الأراضـــــــي الإسلامية تشمل العراق وما يتصل بها، وقد عزم بعدها علــــــــى إرسال جيشه هذا ليتعاون مع جيش صلاح الدين ويحرروا ما تبقى مـــــــن الأراضـــــــي الإسلامية، فأبى صلاح الدين هذا العرض ورفض قدوم جيش الخليفة؛ وذلك خوفًا مـــــــن أن يصبح بعدها مجرد والٍ مـــــــن ولاة الخلافة العباسية، واستعان علــــــــى الخليفة بأكابر القوم، وهم مجموعة مـــــــن الأمراء ذكرهم الأصفهاني في كتابه، فأرسلوا إلى الخليفة أن جيوشهم قد أُنهكت مـــــــن الجهاد، ولما وصل الخليفة رفض صلاح الدين أرسل رسالته عنيفة اللهجة التي تم ذكرها.

السينما العربية

السينما العربية


وكانت هذه هي الحادثة الثانية لصلاح الدين التي يرفض فيها مخططًا للقضاء علــــــــى وجود الصليبيين في الأراضـــــــي الفلسطـيـنـيـــــــة كلها، حيث كانت الحادثة الأولى إبان تولي الملك العادل نور الدين زنكي إمارة الشام، فيقول عنها ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» المجلد التاسع تحت عنوان «هذا فقد أَبْلَغَ الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنًا» أن صلاح الدين كان قد رحل عن مصر غازيًا بــــلاد الفرنج في صفر مـــــــن هذا العام، قاصدًا حصن الشوبك، وبينه وبين الكَرَك يـــــــوم، ويستكمل: «فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدًا بــــلاد الفرنج أيضًا ليدخل إليها ومـــــــن زاوية ثانية، فقيل لصلاح الدين: إن دخل نور الدين وهم علــــــــى هذه الحال: أنت مـــــــن جانب ونور الدين مـــــــن جانب، ملكها، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأُخذ مُلكهم، لم يبق بديار مصر مُقام مع نور الدين، وإن جاء نور الدين إليك أنت هاهنا، فلابد لكَ مـــــــن الاجتماع به، وحينئذ يكون هو المُتحكم فيك بما شاء»، فرحل صلاح الدين عن الشوبك بعد ذلك دون فتحها، وكتب إلى نور الدين يعتذر منه، ويتعذر بأمور منعته في الديار المصـــــريــــــــة، وأجبرته علــــــــى الـــــرحيــــــل لها علاقة بالعلويين، فلم يقبل نور الدين منه تلك الرسالة وتَغير عليه، وكان هذا سبب عزمه علــــــــى دخول مصر وعزله عنها، في نظر بعض المؤرخين نتيجة تلك الحوادث، إن مصلحة صلاح الدين في الولاية كانت لديه أكبر مـــــــن جهاده نفسه ضد الصليبيين، بل كل ما أراده هو أن ينسب الفضل في فتح تلك البلاد له، لا لغيره خوفًا علــــــــى ولايته، بحسبهم.

ويسرد لنا سيد حسين نصر في كتابه «ثلاثة حكماء مسلمين» عن قصة قـــــتل السهروردي، هذا العالم الإسلامي الإشراقي، والذي سلك المسلك الصوفي لفترة مـــــــن حياته، وتقرب مـــــــن الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبي، حيث أَنْشَـــــــأَ معه في البلاط بحلب، واشتد غيظ العلماء منه في تلك الفترة، فيقول حسين نصر: «طالبوا آخر الأمر بإعدامه بتهمة ترويج عقائد تتنافى مع الدين، فلما رفض الملك الظاهر، التمسوا ذلك رأسًا مـــــــن صلاح الدين. وكانت سورية إذ ذاك قد استعيدت مـــــــن الصليبيين، وكان تأييد العلماء أمرًا ضروريًا لتَدْعِيمُ سلطان صلاح الدين، فلم يكن له مفر مـــــــن أن يذعن لإرادتهم»، فكانت نهاية مأساوية لعالم مـــــــن علماء الفلسفة المسلمين علــــــــى يد صلاح الدين، والذي وعلــــــــى الرغم مـــــــن قصر حياته، إلا أنه تمكن مـــــــن تأليف أكثر مـــــــن خمسين كتابًا تعليميًا وعقائديًا وفلسفيًا، هذا بالإضافة لما اشتهر به مـــــــن كتابة الشعر، كما كان له العديد مـــــــن المآثر باللغتين العربية والفارسية.
وهنا يأتي السؤال: لماذا تم تمجيد صلاح الدين الأيوبي في السينما العربية، خاصة بعد ثورة يـــوليـــــو (تـــــموز) 1952؟ وهل للأمر علاقة بتمجيد جمال عبد الناصر في تلك الفترة؟

يـــــقول يوسف زيدان في مقاله بالمصري اليوم «أوهام المصريين.. الناصر أحمد مظهر»: «منذ سنوات بعيدة، حـــــيث ذكــــــــــر لى واحد مـــــــن أساتذة الفلسفة المصريين، داعِـــــبًا، إنه اشتغل في شبابه بفن التمثيل! ولما استفهمت منه، مستغربًا مـــــــن أنني لم أره في أي مشهد سينمائى، حـــــيث ذكــــــــــر وهو يبتسم: ألا تذكر الجموع التي ظهرت في فيلم «الناصر صلاح الدين»، لقد كنت واحدًا مـــــــن هؤلاء الجنود، فأيامها كنتُ مجنَّدًا في الجيش، وكانوا يأخذون الآلاف منا، للاشتراك في تصوير المشاهد الحربية».

والحقيقة أنه تلك لم تكن المرة الأولى التي يتدخل فيها عبد الناصر في صناعة السينما، حتى وإن لم يكن تــدخــــلًا مباشر، فعن ذلك تحدث الفنان فريد شوقي في إحدى الحوارات التلفزيونية عن استدعاء جمال عبد الناصر له لعمل فيلم عن العدوان الثلاثي بعد انقضاء سَـــنَــــــة 1956.

كما أن الفنان https:|/www.youtube.com/watch?v=1huMp1WkwXM، وهو الذي قام بدور البطولة في الفيلم، ضابط سابق في سلاح الفرسان، وصديق شخصي لجمال عبد الناصر، وعلــــــــى مقربة مـــــــن الضباط الأحرار، والستينات مـــــــن العصر الماضي شهدت العديد مـــــــن الأفلام التي تمجد ثورة 1952 المصـــــريــــــــة، والتي تتناول السيرة الذاتية لقادة نجحوا في تحرير البلاد العربية أمثال قطز وبيبرس وصلاح الدين الأيوبي، حتى وإن كان بعضهم ليسوا عرب الأصل، ولكنهم عسكريون يتماشون مع مشروع القومية العربية الذي تبناه جمال عبد الناصر.

عيسى العوام.. «مسيحي قاتل مع المسلمين»

«هل هنأتم أخاكم عيسى بعيد الميلاد؟»

وردت هذه العبارة علــــــــى لسان صلاح الدين الأيوبي – أحمد مظهر- في فيلم الناصر صلاح الدين الذي رأينا فيه شخصية عيسى العوام «المسيحي» الذي قاتل في صفوف المسلمين، وآمن بعدل وشجاعة صلاح الدين لدرجة أنه قَاتِــل معه الصليبيين، بالرغم مـــــــن مسيحيته، بل كان يكيد  لهم المكائد، وكانت له مكانة عظيمة لدى قائده، الذي أوقف الحــــــرب ليلة عيد الميلاد، ليهنئ الجنود أخاهم عيسى، وتم إعلان اليوم هدنة تدق فيها أجراس الكنائس.

والحقيقة أن الرواية التاريخية الحقيقية تـخـتـلــــف غـــــضـــــونًا عن ذلك؛ ففي هذا فقد أَبْلَغَ عيسى العوام يـــــقول ابن شداد في كتابه النوادر السلطانية: «ومـــــــن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عوامًا مسلمًا يقال له عيسى، وصل إلى البلد بالكتب والنفقات علــــــــى وسطه ليلًا علــــــــى غرة مـــــــن العدو، وكان يغوص ويخرج مـــــــن الجانب الآخر مـــــــن مراكب العدو، وكان ذات ليلة شد علــــــــى وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينــــــار وكتب للعسكر، وعام في البحر؛ فجرى عليه أمر أهلكه، وأبطأ خبره عنا. وكانت عادته إذا دخل البلد أطار طيرًا عرفنا بوصوله، أبطأ الطير؛ فاستشعرنا هلاكه. ولما كان بعد أيام بينا الناس علــــــــى طرف البحر في البلد، إذا هو قد قذف شيئًا غريقًا؛ فتفقدوه فوجدوه عيسى العوام ووجدوا علــــــــى وسطه الـــــذ هـــــــب وشمع الكتب».

قطز.. «قاهر التتار»

كان فيلم وا إسلاماه  والمقتبس عن رواية بنفس الاسم للكاتب «علــــــــي أحمد باكثير» يتناول قصة حياة السلطان المملوكي سيف الدين قطز، منذ نعومة أظافره وحتى انتصاره علــــــــى المغول في موقعة عين جالوت، وفي الفيلم نرى قطز مملوك مغوار شجاع مخلص لقائده عز الدين أيبك، يحافظ علــــــــى مُلكه ويرعى شؤونه، حتى أنه رفض عرض شجر الدر له بقتل عز الدين أيبك، وتولى عرش مصر بعد وفاة شجر الدر وعز الدين أيبك عند وصول التتار؛ حيث ولاه الشعب علــــــــى العرش لكــي يَتِمُّكُــنَّ مـــــــن التصدي لهم، وهو ما يختلف عن الرواية التاريخية.

يروي الدكتور «علــــــــي محمد الصلابي»  وهو إسلامي النزعة، في كتابه الذي يتناول السيرة الذاتية للسلطان سيف الدين قطز ويسرد أحداث موقعة عين جالوت، فيقول إن سيف الدين قطز قد ساعد قائده عز الدين أيبك في التخلص مـــــــن عدوه اللدود الفارس أقطاي زعيم المماليك البحرية، ورمى برأسه إلى أتباعه مـــــــن المماليك؛ ليتأكدوا مـــــــن موته، بعد أن عزموا علــــــــى الذهاب لإنقاذه مـــــــن قلعة الجبل.
وعن تولي سيف الدين قطز الحكم، يـــــقول الدكتور الصلابي: إن الحُكم قد آل إلى «المنصور علــــــــي» ولد عز الدين أيبك، والذي كان في الخامسة عشر مـــــــن عمره، وكانت أمه – زوجة أيبك الأولى – هي المتحكمة في شؤون البلاد حينها؛ وأن سيف الدين قطز كان نائبًا للسلطان يرغب في الحكم، ولكنه لا يريد أن يُقلب عليه المنافسين، ولذلك ترك للصبي الصغير شعار السلطنة ولقبها، وأمسك هو بزمام السلطة الفعلية.

وما إن سنحت له الفرصة، حتى قام بخلع السلطان الصبي؛ متحججًا بوجود التتار علــــــــى الأبواب، فيقول الصلابي: «في يـــــــوم السبـــــــــــــــــــت 24 ذي القعدة سنة 657 هـ قبض قطز علــــــــى الملك المنصور وعلــــــــى أخيه قاقان وأمهما، واعتقلهم في أحد أبراج القلعة؛ فكانت مدة حكم المنصور سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيام».

هل كان لثورة يـــوليـــــو (تـــــموز) 1952 دخل في تغيير الرواية التاريخية بما يتناسب مع صورة البطل الذي ولاه الشعب حكم البلاد ليصد العدوان عنهم؟

كان فيلم وا إسلاماه مـــــــن الأفلام التي أنتجت بعد صد العدوان الثلاثي بسنوات قليلة، فقد تم إنتاجه سَـــنَــــــة 1962، وقام ببطولته أحمد مظهر أيضًا، وتم تقديم شكر للقوات المسلحة المصـــــريــــــــة في بداية الفيلم علــــــــى المساعدات التي قدمتها لتخرج المعارك بتلك الصورة التي وصفها صناع العمل بالمشرفة؛ وهو الأمر الذي يشير إلى اهتمام القـــــــوات المسلحة تحديدًا بهذا الفيلم.

الظاهر بيبرس.. الصديق المُقرب لقطز

في فيلم وا إسلاماه نرى «الظاهر بيبرس»، وهي الشخصية التي قام بأدائها «رشدي أباظة» كبير فرسان الأميــــــــر أقطاي، وهو العدو الأكبر لعز الدين أيبك، ولكننا في الوقت نفسه نراه صديقًا شخصيًا مقربًا لسيف الدين قطز، يتبادلون المعلومات وأطراف الجــديـد، ويتبارزون بالسيف لهوًا دون علم قادتهم؛ فنرى بيبرس يساعد قطز في الجلوس علــــــــى العرش، ويحارب بجانبه في مــــعركة عين جالوت حتى النصر دون أية أهدافٍ شخصية أو طموح إلى المُلك، وهو ما يختلف غـــــضـــــونًا مع الواقع التاريخي، ولكنه شديد الشبه بعلاقة الصداقة التي لم تكن قد تلوثت بعد بين جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر.

العلاقة الحقيقية التي جمعت بين الظاهر بيبرس وقطز، يرويها محمد بن شاكر الكتبي في كتابه «فوات الوفيات والذيل عنها»، فيقول إن السلطان سيف الدين قطز كان قد أرسل الظاهر بيبرس لتعقب آثار التتار في الشام  بعد هزيمتهم في موقعة عين جالوت، وقد وعده نيابة حلب؛ فتعقبهم الظاهر حتى أخرجهم مـــــــن الشام، وأخذ ينتظر مكافأته، ولكن السلطان خلف وعده، وأعطى ولاية حلب إلى علاء الدين ابن حاكم الموصل، فتأثر بيبرس مـــــــن فعله.
ويروي لنا الدكتور أحمد مختار العبادي في كتابه «قيام دولة المماليك الأولى» عن واقعة مـــــصـــــرع السلطان قطز المُظفر قائلًا عن الظاهر بيبرس:  «كان يطمع في نيابة حلب، وطلبها فعلًا مـــــــن قطز، فلما رفض السلطان أن يجيبه إلى طلبه؛ تنكر له بيبرس، واتفق مع جماعة مـــــــن الأمراء علــــــــى قتله، وظل يترقب الفرصة لتنفيذ غرضه، ثم واتته الفرصة أثناء عودة السلطان إلى مصر وخروجه للصيد بالقرب مـــــــن الصالحية، ففي أثناء رجوعه مـــــــن صيده إلى الدهليز السلطاني؛ وثب عليه بيبرس في عدة مـــــــن المماليك، وقتلوه بسيوفهم في الخامس عشر مـــــــن  ذي القعدة مـــــــن سَـــنَــــــة 658 هـ، واتفق الأمراء بعد ذلك علــــــــى بيبرس فأقاموه سلطانًا، ولقب بالملك الظاهر؛ وسار السلطان في الجيوش، حتى دخل القاهرة بلا مـقـاومـــة وجلس في إيوان القلعة في 19 ذي القعدة مـــــــن نفس لسنة».

والحقيقة أن علاقة الصداقة التي تجمع بين قائدين شعبيين لكل منهما مآثره، كما ظهرت في الفيلم، كانت شديدة الشبه بعلاقة الصداقة بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر قبل حرب الستة أيام، والتي انتهت بهزيمة الجيوش المصـــــريــــــــة، واحتلال إسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية والقدس سَـــنَــــــة 1967، حيث كان المشير عامر ملاصقًا لجمال عبد الناصر منذ أن كانا ضابطين حتى قيام الثورة، وتولي عبد الناصر رئاسة البلاد، خاصة مع الدور الذي لعبته القـــــــوات المسلحة في صناعة هذا الفيلم.

عز الدين أيبك.. الملك الضعيف

ظهر السلطان عز الدين أيبك في فيلم وا إسلاماه بمظهر الملك الضعيف، الذي تحكمت بأموره زوجته شجر الدُر، التي نُسب إليها مـــــصـــــرع أعدائه كالفارس أقطاي، بدلًا عنه، وأنه عزف عنها ليعود لزوجته الأولى أم المنصور علــــــــي، وهو أمر ليس له سند تاريخي.

في الرواية التاريخية نرى عز الدين أيبك بعد أن تستتب له أمور الحكم يقوم بالتخلص مـــــــن كل مـــــــن تسول له نفسه التفكير في المملكة، وهو أمر جرت عادته في دولة المماليك التي يُعد هو أول حكامها، فيقول سهيل طقوش في كتابة «دولة المماليك في مصر والشام»، إن «العرب كانوا يحتقرون المماليك؛ نظرًا لأصلهم غير الحر، وهو الأمر الذي أدى إلى ثورة العرب الدائمة ضد حكام المماليك قبل أن يستتب لهم الحُكم، وجعلهم يخشون علــــــــى مُلكهم».

وهو الأمر الذي دفع أيبك لعمل طائفة مملوكية جديدة تسمى بالمماليك المُعزية، وتخلص مـــــــن شريكه الأميــــــــر أقطاي، وانفرد بعدها بالحكم، وتغيرت شجر الدُر عليه، حيث وصلها خبر أنه راح يخطب ابنة صاحب الموصل، وهو الأمر الذي دفعها لقتله، كما يورد شهاب الدين النويري في كتابه « نهاية الإرب في فنون الأدب».

ابن رشد.. الصراع بين العقلانية والتطرف

يعتبر فيلم «المصير» للمخرج يوسف شاهين هو الفيلم الوحيد الذي يتناول حياة الفيلسوف ابن رشد علــــــــى شاشات السينما، ليروي لنا جزءًا مـــــــن تاريخ الأندلس تحت حكم الخليفة المنصور، والصراع بين العالم العقلاني ابن رشد الذي كان يؤيده الخليفة في البداية، وبين المتطرفين الذين نجحوا في استمالة الخليفة؛ فحرقت كتب ابن رشد، ولم تنجُ منها سوى نسخة تم تهريبها وحفظها في مصر.

والحقيقة وطبقًا للرواية التاريخية في كتاب «ابن رشد الفكر والسيرة» للدكتور محمد عابد الجابري أن ابن رشد نال مكانة رفيعة لدى الخليفة أبي يعقوب يوسف والد الخليفة المنصور، وأن سبب النكبة التي عانى منها ابن رشد وحُرقت علــــــــى أثرها كتبه لم يكن اتهامه بالإلحاد، ولكن ورد علــــــــى لسان اثنين مـــــــن المؤرخين أن ابن رشد نال مكانة رفيعة لدى المنصور نفسه، حتى حادثة أبي يحيى أخي المنصور، والذي كان والي قرطبة، وطمع في ملك أخيه عندما مرض مرضًا شديدًا، ولكن المنصور أفاق مـــــــن مرضه، وعلم بأمره؛ فأمر بدق عنقه.

يذكر الجابري في كتابه أن ابن رشد كان مقربًا مـــــــن أبي يحيى، وهو الذي أوصى به لدى والده الخليفة أبي يعقوب ليكون واليًا علــــــــى قرطبة، ويقال إن أبا يحيى هو الذي أوصى ابن رشد بكتابة كتاب «الضروري في السياسة» تمهيدًا لتوليه خلافة البلاد، وإن هذا الكتاب الذي يتحدث عن استبداد الحكام، هو الذي أبدل مكانته لدى المنصور، فأمر بنفيه خارج البلاد، وحرق كتبه، ولكن المنصور عفا عنه بعد سنتين، واستدعاه إلى الأندلس، وجنح إلى تعلم الفلسفة، فحضر ابن رشد إلى مراكش، ولكنه مرض ومات بها، وتوفي المنصور في السنة نفسها 595 هـ.

والحقيقة أن يوسف شاهين في حوارٍ تليفزيوني معه عقب عرض الفيلم جماهيريًا في ألمانيا قد صـــــــــرح أن فيلمه هو فيلم ضد التعصب الديني في أي عصر، وأنه كان يوجه رسالةً للغرب عقب الشائعات التي ترددت عن الدين الإسلامي وقتها بربط الإسلام بالحوادث الإرهابية، مؤكدًا أن الإرهاب ليس إسلاميًا، وأنه لا يجب توصيف دين عظيم كالإسلام بالإرهاب، وأن فيلمه أيضًا هو عن حرية التعبير، خاصة بعد القضية التي تمت مهاجمته فيها عقب عرض فيلم «المهاجر» حول الشبه بين قصته بقصة النبي يوسف.

المصدر : ساسة بوست