كيف تؤثر قراءة الأدب بيولوجيًّا على عقولنا؟
كيف تؤثر قراءة الأدب بيولوجيًّا على عقولنا؟

إذا كنت ممن يحبون قراءة الأدب، وتمتعك اللحظات التي يصحبك فيها أشخاص مـــــــن صنع خيال الكتاب فهل فكرت يـــــــومًا بينـمـــا إذا كانت قراءة مثل هذا النوع تحقق الــتــشــويــــــــــق فقط؟ في الواقع إنها قد تضفي تأثيرًا -لا يمكنك تحديده بدقة- علــــــــى شخصيتك، وربما غيّرت إحدى الروايات مسار حياتك، لكن هل هــنــــــــاك تأثير بيولوجي يمكن قياسه بشكل محدد؟

مـــــــن الممكن ان نقول بسهولة إن قراء الأدب يمتلكون حسًا راقيًا وقدرة علــــــــى فهم شعور الآخرين، وقدرًا مـــــــن الذكاء، لكن ولفترة طويلة لم يتمكن العلماء مـــــــن حسم الإجابة حول السؤال عما إذا كان الأذكياء يجدون شغفًا بقراءة الأدب أم أن قراءته هي التي تزيد معدّل ذكائهم، وعما إذا كانت قراءة الروايات مثلًا تزيد قدرة الأشخاص علــــــــى التعاطف مع الآخرين أم أن الأشخاص الذين يميلون للتعاطف مع الآخرين في الأصل، هم مـــــــن يحبون قراءة الشعر والأدب كثيًرا.

كما لو كنا نعيشه في الواقع

لكي يقترب العلماء مما تفعله القراءة بأدمغتنا بالفعل، اعتمدوا في تجاربهم الأولى علــــــــى تقنيات التصوير العصبي، بداية بتصوير العقل أثناء قراءة أكثر الجمل بساطة مثل «نفخ الولد البالون» ليكتشفوا أن المناطق التي تعمل في دماغ مـــــــن أُجريت عليهم التجارب هي المناطق التي تعمل عادة في الدماغ عند قيامنا بالحركة فعلًا، وكانت قراءة كلمات مثل القرفة أو الياسمين تحرّك أيضًا المناطق نفسها التي تتحرك عندما نشمّ رائحة ما، كما يُظهر تصوير الرنين المغناطيسي.
Embed from Getty Images

كانت التجربة في البداية تُجرى علــــــــى تأثير كلمات بسيطة، ولاحقًا تمت تجربة التصوير العصبي أثناء قراءة نصوص أكثر تعقيدًا ليجد الباحثون ما يؤكد النتائج السابقة، ,في الأفعال الأكثر تعقيدًا أيضًا يبدو في التصوير العصبي لعقول المتطوعين نشاطًا في المناطق المسؤولة عن كل فعل كما لو كانوا يعيشونه في الواقع.

حين كانت الشخصيات الخيالية تقوم بتغيير أماكنها نشطت المناطق الأمامية والجانبية المسؤولة  عن الاتجاه المكاني، وحين يلتقط أحد الأشخاص شيئًا في الحكاية تنشط لدى المتطوعين مـنـطـقـــــــة في القشرة الحركية مسؤولة عن اليدين، وحين كانت الأحداث تتغير كان ذلك يحفز لدى المتطوعين قشرة الفص الجبهي المرتبطة باتخاذ القرارات، بحيث تأكد للباحثين أن عقولنا بطريقة ما تحاكي حرفيًا ما نقرؤه كما لو كنا نعيشه في الواقع، وهكذا يحدث ما تُكسبه لنا القراءة مـــــــن إمــتـحـان للعواطف وما تضيفه مـــــــن تـجـــــارب شخصية ومواقف متعددة تزيد خبرتنا بالحياة، أن تُكسبنا القراءة حياة أخرى ليس قولًا مجازيًا إذن.

نشاط الدماغ

في تجربة أجراها باحثون في جامعة إيموري لتصوير نشاط الدماغ لدى 21 طالبًا  بعد قراءة رواية بومبي لروبرت هاريس لاحظ الباحثون وجود نشاط أكبر في أدمغة مـــــــن أُجريت عليهم التجربة وزيادة في الاتصال بين مناطق المخ المختلفة وتحسّن في وظائفها، واستمر هذا النشاط بضعة أيام بعد أن أنهوا قراءة الرواية.

وقع الاختيار علــــــــى هذه الرواية تحديدًا بسبب قوة السرد فيها، ولاحظ الباحثون نشاطًا في أدمغة الطلاب صباحًا، خاصةً في الجزء الأيسر مـــــــن القشرة المخية المسؤول عن اكتساب اللغة، رغم أنهم كانوا يقرؤون جزءًا محددًا مـــــــن الرواية في المساء.

التعاطف مع الآخرين

ولمزيد مـــــــن فهم هذا الأثر أجرى علماء تجربة علــــــــى مجموعتين مـــــــن القراء، الأولى قرأت قصة السيدة والكلب الصغير لأنطون تشيخوف بينما قرأت الثانية أحداث القصة نفسها بأسلوب أكثر سطحية وأقرب للغة الخبرية، بينـمـــا بعد سجلت المجموعة الأولى قدرة أكبر علــــــــى التعاطف والإحساس بالآخرين وأن يضعوا أنفسهم محلّ غيرهم، واستنتج الباحثون مـــــــن هذه التجربة أن قراءة الأدب تسهم في نضج وتطور الشخصية.
Embed from Getty Images

تساعدنا قراءة الخيال في فهم نوايا الناس وشخصياتهم وهو أمر تشترك فيه قراءة الأدب ومشاهدة الأفلام وألعاب الفيديو المعتمدة علــــــــى الحكايات، يذكر فرانك هاكمولدر الباحث في فنون اللغة والأدب بالمعهد الثقافي بجامعة أوتريخت أن تعقيد الشخصيات الأدبية يدعم قدرة القارئ علــــــــى تطوير أفكاره حول مشاعر الآخرين.

يفيد رجال الأعمال أيضًا!

إدارة الأعمال المعقدة والصعبة التي تعتمد علــــــــى الأرقام يمكنها الاستفادة مـــــــن الأدب فيها أيضًا، فعلى رأس الحقائق والأرقام والهياكل الإدارية يوجد عنصر بشري تعتمل بداخله مشاعر وصراعات واندفاعات، بحيث لا يمكن التنبؤ بسلوكه دون معرفة بطبيعة السلوك البشري، وقد يفيد هــــنـــــــــــــا القراءة عن شخصيات مشابهة.

فضلًا عن أن القدرة علــــــــى فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم مـــــــن أهــم مهارات القادة والمديرين، وكانت دراسة نشرتها جامعة هارفارد قد أكدت أن الأدب يمكّن القارئ مـــــــن مواجهة شخصيات وأنماط مختلفة وقضايا معقدة تختبر القدرة الحقيقية له علــــــــى القيادة وتحمل المسؤولية.

تحمي العقل مـــــــن الشيخوخة

توفر القراءة لنا مخزونًا معرفيًا يمكّننا مـــــــن مواجهة التغييرات التي تطرأ علــــــــى عقولنا مع التقدم في العمر، فقد أشارت دراسة أُجريت علــــــــى مجموعة مـــــــن المشاركين تتراوح أعمارهم بين 75 و 95 سَـــنَــــــةًا أن تكوين قدرات لغوية في وقت مبكر يحمي القدرات المعرفية في عمر متقدّم،  ويحفظ المخ مـــــــن الضمور وتصلّب الشرايين ومرض ألزهايمر.

غير أن هــنــــــــاك مـــــــن يرى أن تحقيق  تلك الفوائد يتوقف علــــــــى مدى انغماس القارئ في الحكاية، وهو ما يحدث بالتركيز علــــــــى ما يشعر به أشخاصها لا علــــــــى الأحداث فيها فقط، وهذا يعني أن «القراءة العميقة» التي أطلق عليها الناقد الأدبي البريــطـانــي فرانك كيرمود «القراءة الروحية» هي التي تُحدث هذا الأثر لأنها مليئة بالمتعة والتفكير والتحليل، وهي تـخـتـلــــف عن «القراءة الجسدية» التي نطالع فيها مـعـلـومــــــات سريعة نحتاجها بشكل يومي عبر الإنترنت غالبًا، فتجربة القراءة العميقة والمتأنية لنص غنيّ بالتفاصيل الحسية والتعقيدات الأخلاقية والعاطفية هي التي تُمثِّل للعقل تجربة فريدة، تـخـتـلــــف عن القراءة السطحية التي لا تتطلب سوى فك رموز الكلمات.

مع ذلك فهناك رأي آخر يعتقد بأن مثل هذه النتائج تبقى غير مؤكدة إذ لم تُجنّب الدراسات تأثيرات أخرى مثل الدردشة مع الأصدقاء ومشاهدة التلفاز مثلًا، كما أن قياس المهارات الحياتية التي اكتسبها القراء مـــــــن خلال الروايات والشعر لا يمكن التأكد منه في حياتهم الواقعية، وعليه يرى القائلون بهذا الرأي أن كل ما تحقق مـــــــن نتائج لدراسات تدعم وجود تأثيرات بيولوجية للأدب هي مجرد قصة تحتاج مزيدًا مـــــــن الأدلة العلمية ليمكن اعتبارها حقيقة.

المصدر : ساسة بوست